المقريزي

175

المقفى الكبير

الواجبات عليهم . فلمّا دخل جمادى الآخرة أخذ يدبّر على أهل مصر وسلّط طوائف الرجّالة ، وتقدّم إلى مقدّمي السودان وغيرهم بما يفعلونه : فكانوا ينزلون إلى مدينة مصر طوائف فيكبسون الحمّامات نهارا ويأخذون النساء ويلجون الدور ويسلبون الناس في الطرقات ليلا ونهارا . ثم وجدت عدّة رقاع في المساجد تتضمّن تهديد أهل مصر بالقتل والحريق ونهب المال وسبي الحريم فتزايد ضرر النّاس . وفتحت حوانيت البزّازين ونهب ما فيها ، والناس يصيحون من أعلى الدور فلا يجدون من يغيثهم . وصارت الحوانيت مفتّحة ، والبلد في حركة شديدة من نقل الأمتعة من الحوانيت إلى الدور . ثم نزل جمع كبير من العبيد إلى مصر ، وقد غلقت الدروب قبل غروب الشمس ، فمرّوا في المدينة وفتحوا ما وراء الجامع من النحّاسين والبزّازين والسكريّين والمربعيّين « 1 » ودار الشمع ، وأخذوا ما قدروا عليه وأفسدوا ما بقي ، حتى كانوا يخلطون العقاقير بعضها ببعض ، ويخلطون الزيت بالمياه المختلفة ويفسدون هذا بهذا . فنزل بالناس من البلاء ما لا يمكن وصفه . ونقلوا أمتعتهم من مصر إلى القاهرة ، وتزايد النهب ، وطرحت النيران في أبواب القياسر المجاورة للجامع وقد نهبت . وتخطّفت الناس فسلبوا وأخذت عمائمهم ، فعظم الضجيج والصراخ ، وكثر الدعاء ، فوقفوا إلى الحاكم فشكوا ما هم فيه . وتقدّم بعض الأشراف في طائفة منهم للشكوى فصار للناس دويّ كالرعد وارتفعت شهب النيران بالحريق ، فقال الحاكم « 2 » : ما للنّاس ؟ فقالوا : يا مولانا ، عبيد الشرّ قد أخربوا البلد ، وسلبوا أهله وسبوا حريمه . فقال : ومن أمرهم بهذا لعنهم اللّه ؟ فقال له بعض الأشراف : أراك اللّه في أهلك ما رأيناه في أهلنا . فلم يزده على أن قال له : أيّها الشريف ، أنت معذور لأنّك مغتاظ . فاجتمع عند ذلك الأتراك والكتاميّون ، وتحالفوا على قتال الرجّالة ، فكانت بينهم حروب كثيرة قتل فيها عالم كثير من الرجّالة . وطالت عدّة أيّام والحاكم يركب حماره ويأتيهم ، فإذا رأوه تفرّقوا هيبة له ، ثم إذا مضى عادوا لحربهم . فاشتدّ حنقه على الأتراك والكتاميّين . وهذا الدرزيّ هو الذي أدخل دعوة الحاكم إلى بلاد الشام والساحل واستجاب له عالم كثير منهم ، وصار لهم مذهب رديء ويعرفون إلى اليوم بالدرزيّة . ومن مذهبهم كتمان السرّ ، فلا يطلعون سواهم على عقائدهم . ويذكر أنّ هذا الدرزيّ أباح البنات والأخوات والأمّهات ، وهم إلى اليوم على ذلك ، ويصرّحون بأنّ الحاكم حيّ وأنّه سيعود . 847 - آنوك بن محمد بن قلاوون [ 721 - 741 ] « 3 » [ 231 أ ] آنوك بن محمد بن قلاوون ، الأمير [ 226 أ ] ناصر الدين ، ابن السلطان الملك الناصر ، ابن السلطان الملك المنصور ، أمّه خوند طغاي . ولد للنصف من جمادى الآخرة سنة إحدى

--> ( 1 ) كلمة غامضة ، وكذلك في الدول المنقطة ، 56 . ولعلّها تعني بائعي المرابع ، والمربع منديل للنسوة ( دوزي ) . ( 2 ) عبارة ابن ظافر : فتجاهل عليهم وقال : . . . ( 3 ) الوافي 9 / 431 ( 4365 ) ؛ المنهل 3 / 108 ( 558 ) ، الدرر 1 / 446 ( 1083 ) ، بدائع الزهور 1 / 477 ، السلوك 2 / 553 ، تذكرة النبيه 2 / 317 .